أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
126
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 93 إلى 97 ] وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ( 93 ) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ( 94 ) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ( 95 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 96 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ( 97 ) ولذلك قال في جوابهم : أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ . ولو قيل : وما عززت علينا ، لم يصح هذا الجواب . قوله : وَاتَّخَذْتُمُوهُ يجوز أن تكون المتعدية لاثنين أولهما : الهاء : والثاني : « ظِهْرِيًّا » ويجوز أن يكون الثاني هو الظرف و « ظِهْرِيًّا » حال ، وأن تكون المتعدية لواحد فيكون « ظِهْرِيًّا » حالا فقط ، ويجوز في « وَراءَكُمْ » أن يكون ظرفا للاتخاذ ، وأن يكون حالا من « ظِهْرِيًّا » والضمير في اتّخذّتموه » يعود على اللّه ، لأنهم يجهلون صفاته ، فجعلوه أي : جعلوا أوامره ظهريا أي : منبوذة وراء ظهورهم . والظّهريّ : هو المنسوب إلى الظهر وهو من تغييرات النسب ، كما قالوا في : أمس إمسيّ بكسر الهمزة ، وإلى الدّهر : دهريّ بضم الدال . وقيل : الضمير يعود على العصيان ، أي : واتخذتم العصيان عونا على عداوتي ، فالظّهريّ على هذا بمعنى : المعين المقوي . قوله : مَنْ يَأْتِيهِ . قد تقدم نظيره في قصة نوح . قال ابن عطية : بعد أن حكى عن الفراء أن تكون موصولة مفعولة ب « تَعْلَمُونَ » ، وأن تكون استفهامية مبتدأة معلقة ل « تَعْلَمُونَ » والأول أحسن . ثم قال : ويقتضي بصلتها أن المعطوفة عليها موصولة لا محالة . قال الشيخ : « لا يتعين ذلك ، إذ من الجائز أن تكون الثانية استفهامية أيضا ، معطوفة على الاستفهامية قبلها » ، والتقدير : سوف تعلمون أينا يأتيه عذاب وأينا هو كاذب . وقال الزمخشري : « فإن قلت : أي فرق بين إدخال الفاء ونزعها في « سَوْفَ تَعْلَمُونَ » ؟ قلت : إدخال الفاء : وصل ظاهر بحرف موضوع للوصل ، ونزعها وصل خفي تقديري بالاستئناف الذي هو جواب لسؤال مقدر » ، كأنهم قالوا : فماذا يكون إذا عملنا نحن وعملت أنت على مكانتك ، فقيل : سوف تعلمون ، فوصل تارة بالفاء ، وتارة بالاستئناف ، كما هو عادة البلغاء من العرب : وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف ، وهو باب من علم البيان تتكاثر محاسنه . قوله : وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا . قال الزمخشري : « فإن قلت : ما بال ساقتي قصة عاد ، وقصة مدين جاءتا بالواو ، والساقتان الوسيطان بالفاء ؟ قلت : قد وقعت الوسيطان بعد ذكر الوعد ، وذلك قوله : إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ « 1 » - ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فجاء بالفاء التي للتسبيب كما تقول : وعدته فلما جاء الميعاد كان كيت وكيت ، وأما الأخريان فلم يقعا بتلك المنزلة ،
--> ( 1 ) سورة هود ، آية : ( 11 ) .